الأربعاء، 31 مارس 2010

مسخ الطبيعة



العالق في الفضاء، حراً مستوحشاً، يهمس للدفء، واختراق الرئة، للاعتصار ومدُ الجسدٍ بحقولٍ ملغومةٍ، وأقدام متأرجحة، لوجه محترق، نافر العروق مختنق الحدود، حدود فرضها التاريخ وحبرها البشر.


الروح، فقاعات مطاطية، سنابل ملونة، تشق الكون، وتطرق الأرض، تتماهى في الآخر، أنت الآخر إذاً، فأكسر الدائرة، واصعد خشوع الحناجر للديانات، اقفز ملتهباً وقبل شفاه الأرض، أرشف براكينها وهي تموج وتتلوى كجسد لامسته الشهوة، وانفثه على وجهٍ لعالم مشوه، مبتور، ليعاود الالتحام، وتنصهر الحدود، حلقِ يا فقاعات، استنشقِ الوجود، اسحبِ العالم للرئة، ثم عاودي الهبوط كنغم موسيقي يتأرجح ثملاً للجسد.


الحالك في السواد، حَشرَجَ في الجوف سَحِيلاً مشرئب القهر، تسدل نجمة ظلها على كتفِ شاطئٍ إِصِمتَ شهد معني الجسارة، نبحت بوصلة باتجاه الجنوب، نهضت الكلاب بأصواتها تباعاً، دمُعت الاتجاهات بنواح النسوة وفاضت عن جغرافيا البرك، والبحيرات الملقحة، عن الشواطئ المظلمة، وصديدها المُصفر، إن كان لليل إكليل متجهم، فمِرآة تقيأت من قبح ناظرها، مرايا تصدعت من طنين السيوف وحراب جائعة لرائحة اللحم النيئ. الناظر لوجه في مرآة مهشمة، يدرك معني التشظي والانقسام.


العالق في الذاكرة، يتيم البيئة، مصلوب على وقتٍ يفضي إلى ميناء، يستدبر الوطن، ويشيح بوجهه عن الأسماء، يقتلع هيئته من بركة لدماء لزجة، سلبت ملامحه، وأفرغته موتاً إضافياَ لمجموعة وجوه تراكمت على سطح مياهٍ يابسة، أنبتت عظاماً وهياكل، خطى عليها حافي القدمين، تفسخت قدماه ودُميت، رشقت الشفاه بزرقة تنبأت عن صعود الروح، تنفضت الدماء من الجسد الشاحب، وعوت في أقاصي الروح اللامنتمية، انبجس الخوف من طفولة تقتات على نتوءات في هيكل البراءة، الخوف، الخوف ميقاتٌ لنحرِ الطبيعة، وقربانٌ قلقِ وإرتباك، يزأر شريان منتهك، يكشِرُ عن أنيابه، تقذف الرياح بسائلها المنوي خارج غلافٌ جويّ، تموء الأرض شبقاً، تلعق باطنها وتعري تربتها، تغني الروح الثائرة لحريتها، موتئذ يُهال تراب على طين تجرد، ليجف الجسد ببطء رخوٍ يشق طريقه للقاع.





portrait: Pablo Picasso

الثلاثاء، 23 فبراير 2010

Letter to a friend(2).





First of all I'm so sorry for your loss dear friend .

I always thought, why we bid farewell to the dead with tears, why not celebrate their life, and make fun of death, why don’t we dance and sing instead of crying and wailing. So I agree with you, and add my voice to yours: asking my friends to celebrate my death, dancing, singing and laughing, asking them to read some of Lorca's poetry on my grave. Oh! how much I love Nietzsche, I wish I can read all his books, if I die before I do, I wish my friends read it on my grave.

Thank you for the video, it blew a lot of emotions inside me, I cried with you, sang with you, by the way, I love this song, it’s my favorite. So thank you so much, but you know, if you die before me, I promise I will not say goodbye, I will say: my friend was a great man. And when we meet in the second life, I will find your flowery tree in paradise where the scent of your beautiful soul grace the place , and people rises from the shadows of your humanity.
*Video by: Gatewood
*photo by: Tharwat Hemat

السبت، 20 فبراير 2010

مقصلة رقم (3 ) الوجود ( Self Portrait )






هنا كاحلي الملتوي لإقتدائه بمنجل، هنا فتاة خارجة للتو من حدود الجسد وسطوة الجمع، هنا حياة تعوي
فيفترسها الموت، هنا قلب نيئ، ماستوى علي وجدٍ، إلا وأطفأته رياح الشك والتوجس، هنا قلقُ تآكلت له
أطرافي، وهنا اجترار الذاكرة وتقيح الألم.

ما جادت به الأحلام، بخل به الواقع، وتصدق علي بنقيضه، تكاثرت عليّ رماح جاحدة، اخترقت تربتي،
فتهاوى جزع يمدني بالأمل، اصفرت غابتي، وأنبتت طفيليات متسلقة، تقتات من وجودي، وما وجودي
إلا احتراق الغاب فيني.


*portrait by Frida Kahlo

منفى اللغة ومقصلة الحنين






بودلير، يا سيدي المُرهِق، أناجيك بعد أن استنفذ العمر مخزونه من الأسى ورصيده المعد سلفاً للمعاناة، أدفع بأحرفي لأفض عذرية البياض الموحش، أقدم قرابين الانتماء لوطن العبارة لديك، بعد أن أقحمتُ نفسي بنفسي في شِباك منفى اللغة وفقدان هويتها. ما أقسى أن تفطمك اللغة على صغر، فتتغذى على حليب أُعْتِصِر من أثداء متعطشة، بأيدٍ كانت المتعة غايتها، وبشفاهٍ كانت الشهوة دافعها، بدلاً عن فم رضيع كان البقاء دافعه. إن لغتي لمنفاي، ووجودي غربتي، ونفسي ضريحٌ وُضِعتُ فيه. ما أقسي كل هذا.
{إن نفسي قبر أطوف فيه وأقيم منذ الأزل بثياب راهب ضال}، بودلير.
___
} للأحاديث شجون، فالحنين، يقسر النفس على تذكر (المعاناة) ، كقصيدة وأغنية}

نعم يا صديقي، للروائح ذاكرة، وللمواسم ذاكرة، وللتوقيت ذاكرة، وللموسيقى ذاكرة، وللإنسان ذاكرته الشاملة، التي تجمع مابين كل تلك الذكريات، تقويه وتضعفه، تسعده، تشجيه وتحزنه.

رائحة الطين، {والتي حين يستنشقها الإنسان يحس بالانتماء لكرة طينية كبرى}، كما قلت أنت، الانتماء، الأرض والوطن، المنافي والموت، والاغتراب ذاتياً، وجودياً وجغرافياً، كلها عجلات خشبية تدحرج النفس للحزن، وتزأر داخلك وأنت تستمع لحشرجة احتكاكها بالموت.كبائع متجول عجوز يزأر جاهداً لرزقه وتزأر العجلات بأساه.

قديماً كنت أفكر في العلاقة القوية التي تربط الفرد بالوطن وصلت لفلسفة ربما كانت غريبة نوعاً ما، وهي أن الإنسان يخلق من طين وطنه، من ذات الأرض التي أنجبته أبناً، وأرضعته من خيرها. ولكن وبعد أن تجرعت كُؤُوس غربتي لم أجد انتمائي إلا للموت، كفكرة عظيمة، كفناء طبيعي للجسد، كشيء غامض لم يُدرَك كنهه، الموت كفكرة، تؤرق كل كاتب، التجربة التي يتمنى الكثيرون خوضها والعودة من جديد للكتابة عنها، درويش كاد أن يفعلها، جدارية درويش هي رحلة الموت والعودة للكتابة عنه من جديد، محمود درويش تناول الموت في أكثر من قصيدة، تحدى الموت بكلماته، وغير مفهومه داخلي لطالما كنت أوصد بابي في وجهه، كضيف ثقيل الظل غير مرحب به، عندما مات درويش، وخرج الملايين لوداعه، كاد الدمع أن يثقب عيني وأنا أمنعه من التسرب، في نهاية المطاف نثرت حزني علي شجني، وأشعلت الجسد برغبات الرقص وثرثرته خلف إيقاع موسيقي صاخب، لطالما رحب محمود درويش بالموت، لطالما سَخِر من الحزن. فِلَم خذلانه بالبكاء والنحيب؟

ارتباط غربتي بالموت وما بعده، طور فكرتي الأولي، كنت ذات يوم داخل إحدى المقابر القديمة بلندن، أُناس قبروا قبل عشرات السنين، قبور حُفرت منذ القرن السابع والثامن عشر، حُروف نُحتت تنعي أصحابها: (مازلت خالداً في الدواخل- أسبوتوود ولد عام العام 1696 وتوفي في العام 1785) وأخري نقش عليها(نبُكيك مدي الدهر، ويخلدك التاريخ – أنطوني كاسار، أشرقت شمسه في ويلز عام 1873 وغرُبت في السودان عام 1948) .
كنت علي علم مسبقاً أن المقبرة تضم جثث عشرات الجنود الإنجليز الذين قتلوا في السودان، يا كسار.. ولدت في بريطانيا، توفيت في السودان ، وقُبرت في بريطانيا. ويا نفسي، وُلدتي في السودان فأين ستنشدك المنية؟ وأين سيقبرك القدر؟..أين سيقبرك القدر؟ هل حقاً يخلق الإنسان من طين وطنه؟ أم من طين قبره!! توقفت كثيراً والجملة الأخيرة تتضخم داخلي، ارتباطنا بالطين، أكبر بكثير من ذاكرة الروائح يا صديقي، هو ارتباط بالتكوين والممات ومن ثم النشور.

تحدثتَ عن الروائح، فانزلقت بي الذاكرة لسنوات قحطي الأولي في المنفى، لا الوطن وطني، ولا الوجوه سحنتي، لن أراهن كثيراً علي اللغة، فان غربتي مع اللغة بعيــدة وممتدة منذ أن أضرم الوعي بنار ثورته فيني ، لم أحس يوماً بانتمائي للعربية كلغة أم، فالنوبية هي لساني الأخرس الذي فقدته مبكراً إثر انتقال أسرتي للخرطوم وأنا في شهري الخامس، كان كل من في المنزل يحرص علي التحدث معنا بالعربية، تلك جدتي تنادي(يا بنت يا ثروت تعال هنا) فأضحك مرددة (يا بنت وتعال هنا، في إيه يا *يو!) ثم أبتسم بخبث مقلدة صوتها بسخرية:(أنت يا مرة أنت بناديني ولا بنادي أخوي) تفرهد شفاهها السمراء ضاحكة وتقول( إمَّنا هي مصيبيي) تقصد ضاحكة أني مصيبة جاد بها كل من والدي وابنتها علي الزمن.

أسمعهم يتحدثون إلى بعضهم بالنوبية، فانصرف عنهم باهتماماتي، لم يكن ولعي بها كثيراً آنذاك، لم أهتم بتعلمها، كان فهمي لكتابات الطيب صالح يغنيني عن تعلمها، وأنسي الحاج وكافارني وابن عربي، يجردوني من تذكرها، وكانت الأنشطة الطلابية والألقاب المكتسبة تحد بيني وبين الهوة، بدأت السنين بلإنكماش، تمر السنة وكأنها شهر، ويمر الشهر وكأنه يوم، بدأ الاستلاب الفكري في التفاقم، وبدأت الهوة بيني وبين العربية في التصدع، لم تعد تأويني، أشعر بالضياع، لا أستطيع الوصول إلى طيات أفكاري بها، وبدأت لا شعوريا أميل للتعلم اللغات، اعتقدت حينها بأن ميولي لتعلم اللغات هواية ولكني أدركت لاحقاً بأنها كانت محاولات مستميتة لردم هُوَّة التغرب داخلي.

دخلت الجامعة، وكان لي ما أردت طالبة بكلية الآداب قسم اللغة الروسية والإعلام، لكن وبعد محاولات مستميتة من الأسرة تم إقناعي بالتحويل لقسم المحاسبة جامعة الخرطوم، وكان لهم ما أرادوا. أثناء دراستي التحقت بمركز السُدس (مركز داخل الجامعة يتم فيه تعلم اللغة الفرنسية) التحقت به كمحاولة للهرب من منفي اللغة، أذكر مناكفة أصدقائي لي وسخريتهم الضاحكة (والله يا ثروت كأنك بتغسلي بنطلون جينز) فأجيبهم ضاحكة، أزرق ولا اسود.

مرت الأيام، توقفت عن متابعة دراسة الفرنسية بعد أن اكتشفت أن ضالتي ليست بين طيات حروفها، أخذني طلب العلم وملاحقته إلى إنجلترا، تعلمت الإنجليزية، ولا سبيل للخروج من منفي اللغة، منفي اللغة، أين أنا من هذه اللغة، التحقت بإحدى الجامعات كتكملة لدراسة المحاسبة، و في ذات الوقت بدأت في تعلم اللغة الأسبانية كخيار أخر للهروب من منفي اللغة، لم أجد ضالتي فيها أيضاً ولكني باقية علي دراستها حتى الآن فما أجمل القراءة للوركا بعيداً عن أخطاء الترجمة الفادحة والجافة التي تتم في حق النصوص المترجمة، أذكر حديثاً لكونديرا اعترض فيه على عدم مصداقية بعض المترجمين في ترجمة النصوص قال فيه:{ للأسف، فإن من يقومون بترجمة أعمالنا، إنما يخوننا, إنهم لا يجرؤون على ترجمة غير العادي وغير العام في نصوصنا، وهو ما يشكل جوهر تلك النصوص. إنهم يخشون أن يتهمهم النقاد بسوء الترجمة وليحموا أنفسهم يقومون بتسخيفنا}.

كنت أحاول الانتماء للغة حتى وإن أدارت هي ظهرها، لم أكن أدرك أنني بذلك أرتكب حماقة تلو الأخرى، أنني أوسع حدود غربتي ، وأمد من عمرها ما مدَّ الله من عمري، لم أكن أدرك آنذاك أن حل المشكلة أقرب من روسيا وفرنسا وبريطانيا وأسبانيا، وأن حلها في لسان جدتي الكوشي، والتخلص من حياء والدتي وحرجها حين التحدث مع أصدقائي خوفاً من قيامها بتأنيث مذكر..أو تذكير صديقة.

* يو: تعني أمي في اللغة النوبية.

Photo by: Google*

هل الكاتب إله شخوصه الروائية؟


تعقيب على عبدالغني كرم الله- سودانيز اونلاين


عزيزي كرم الله

تشابكت خيوطي، وما حَمِلَت من أفكار، فترددت كثيراً، من أين أبدأ، من فكرة الموت، أم من ثِقل الأغتراب الذاتي، واللاإنتماء النفسي( والذي يتمثل هنا في شخص مصطفي سعيد)، أم من العلاقة بين الخالق ومخلوقاته، أما سبب ترددي فهو أن محاور الأفكار المذكورة أعلاه، صاغت أحرفي في الآونة الأخيرة، وتمسكت بنات أفكاري بتلابيب عباءاتها، وغزلت منها نول الخيال.
أذن سأبدأ من حيث أنتهى الغائبون، وكم تمنيتُ عودتهم لتنويرنا بميتافزيقيا صدأ من عمقها البشر، الموت يا صديقي يعتلي هرم الحياة، شأنه شأن الإنجاب والنمو، يتهيأ في صمت حولنا، نهيل عليه السواد، ونسدل عليه حجباً سماوية، حرية شُوشت بدوافع الفقد، شأنه شأن النٌبل، والأنسانية السامية، حاول أن تتذكر، كل المعاني الصادقة والنبيلة من حولك، هالة الحزن التي تتلبسها، والصدق أو النبل دائماً مناط بالحزن.
كتبت لك من قبل، عن مدي يقيني بالموت، حينها قلتُ لك:

(بعد أن تجرعت كُؤُوس غربتي لم أجد انتمائي إلا للموت، كفكرة عظيمة، كفناء طبيعي للجسد، كشيء غامض لم يُدرَك كنهه، الموت يا عبد الغني كفكرة، تؤرق كل كاتب، التجربة التي يتمنى الكثير خوضها والعودة من جديد للكتابة عنها، درويش كاد أن يفعلها، جدارية محمود درويش هي رحلة الموت والعودة للكتابة عنه من جديد، محمود درويش تناول الموت في أكثر من قصيدة، تحدى الموت بكلماته، وغير مفهومه داخلي لطالما كنت أوصد بابي في وجهه ، كضيف ثقيل الظل غير مرحب به، عكس الآن، عندما مات درويش، وخرج الملايين لوداعه، كاد الدمع أن يثقب عيني وأنا أمنعه من التسرب، في نهاية المطاف نثرت حزني علي شجني، وأشعلت الجسد برغبات الرقص وثرثرته خلف إيقاع موسيقي صاخب، لطالما رحب محمود درويش بالموت، لطالما سَخِر من الحزن. فِلَم خذلانه بالبكاء والنحيب؟)


سَديم واقعٍ متكثف، سَطَمَ أرواحنا، وسَدَمَ عقولنا، يا كرم الله، فذبلت بها الأنسانية، وتجردت من أسمى معانيها، رنين الحياة الصاخب حولنا، وأن دلّ فأنه يدل على أنها جوفاء، قرِعة، تَقَيَّأَتِ ما ببطنها فتناسلت منها طينة البشرية، فقاعات هواءٍ، تخرج من تجاعيد الأرض، أجيال تصعد من تراب، ثم تهوي كالشهب عليه، بعد أن أحرقتها أشعة شمسٍ، كشفت ظلمات الحياة.
ديمومة متبلدة، تعيد صيرورتها، الحالك فينا، يشرئب فارهاً ضد نقيضه، ونحن نكتب، ونهرب خلف سراب واقع بعيد عن ما كتبناه.
لاشيء حقيقي حقاً يخرج حياً من أفكارنا، بل هي مداد أحرف صُيغت بأيدي خفية، لا شيء جديد، موميات أفكارهم التي تكفي لتحنيط أفكارنا، وينتج عنها نفط يدير محركات أفكار نشء قادم.
تساءلت عن علاقة الخالق بالمخلوق، عرجتَ بأفكارك لنيتشه، والذي دعى الذات الفردية للإرتقاء، والوصول لفكرة الإنسان الأعلى، ومنها يصل لمنزلة الإله، والمعبود، وهكذا يكون الفرد إله أناه الخاصة، وهيأ نفسه ليكون الرسول المبشر لهذا الإله، فُصلب على ألواح كتاباته ذاتها، بعد أن فتك به الأنسان اللامنتمي داخله، نيتشه فطن للوجود من حوله، إنسانية مجردة من معناها، زيف، خلل أخلاقي، سياسي، ديني، من حوله، كل ذلك على أيدي مخلوقات الخالق، تساءل ذات ألم، وأحباط مبكر، وهو مايزال في الثامنة عشر من عمره، كيف لا تحمل المخلوقات روحاً، ونوراً من خالقها.
قلتَ لمصطفي سعيد، (مات إلهك)، ولم يكن الطيب صالح الهاً له، بل كان مصطفي سعيد، فالكاتب يكتب، ليصنع واقع أفتقده في عالمه، والقاص يصنع أبطاله ليشخص فيهم معتقداته، وينطق ما لم يفصح عنه بنفسه.
مصطفي سعيد، روح!! جسداً شُيّدَ من خيالات وأحلام ورؤى، فهل قُبرت روح مصطفى سعيد؟؟ لا بل هل قُبرت روح خالقه، بعد قَبّار جسده؟
بالرغم من أن نظرتي لشخص مصطفي سعيد، تختلف كثيراً عن نظرتك له، والتي تجلت عبر هذه الرسالة، إلا أني أشفق عليه من عذابات الوحدة، أو الوحدانية المضللة، وأنا هنا لا أتحدث عن وحدانية الجسد، بل وحدانية الروح الرتيبة، وهي أشد وطأة من وحدانية الجسد الذي يمكننا أسكات صراخه وهزيعه، ولكن كيف لنا قَبّار وحدانية الروح، ظني أنها تظل طليقة حتى بعد قبر الجسد، فهل تُقبر الأرواح؟؟
أو تعلم يا عبد الغني، لو سألتني من قبل، لمن تبعث برسالتك هذه، لما رجّحت خيار مصطفي سعيد، بغض النظر عن تفسيري للتجاوزات التي في شخصه، هل تظن أنه تأثر لموت خالقه حقاً، هو الذي وئد الإحساس قديماً، وجرد حزنه من فقد الاخرين، على كل حال، كان خياري لك سيتجه نحو الزين، فهو بالرغم من أميته صادق جداً، وإنساني جداً، لم تزيفه معالم التمدن، والإتيكيت، وبرود الإنجليز اللاذع، هو حقيقي لأقصي مدي في الحقيقة، حزنه حقيقي، سعادته حقيقية، مشاعره حقيقية، يمكنني تخيل نظرة الاستغراب في عينيه، عند أستلامه لرسالتك، سيتساءل عن المرسل، ولكن قلبه سينشرح بالفكرة، والتي ستهدم إحساسه بالنفي والرفض، والذي يواجهه من المجتمع بسبب إنسانيته تلك، ينادي أحد الفتية، لقراءتها له، بعد أن يعده بشراء زجاجة (بارد) من أجله، ينفذ صبرالصبي من محاولاته لشرح الرسالة للزين، يرمي الصبي الرسالة في وجه الزين، وينعته بالغباء، يختطف زجاجة (البارد) ويركض بعيداً، يبتسم الزين، غريب هذا الزين في كرم أخلاقه، يبتسم في وجه من تعمدوا أذيته، هم يظنون إبتسامته دليل أضافي على غباء الزين، وما دركوا أن تحت الإبتسامة جرح غائر، تسببوا في تخليده، أو كما قال العم محجوب يوماً: كل الجوح بتروح: إلا التي في الروح.
تقديري وإحترامي