حدث خطأ في هذه الأداة

الأحد، 1 مايو 2011

ضلال النفس في عهدة المواثيق

ضلال النفس في عهدة المواثيق


"ولا حجر على البشرية وعلى مفكريها وقادتها، أن تفكر في صيغ وأساليب أخرى، لعلها تهتدي الى ما هو اوفى وأمثل، ولكن إلى أن يتيسر ذلك ويتحقق في واقع الناس، نرى لزاماُ علينا، أن نقتبس من أساليب الديموقراطية، ما لابد منه لتحقق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان، والوقوف في وجه طغيان السلاطين العاليين في الأرض"
يوسف القرضاوي
***


والحق يقال، لم نكن غير تراكمات تفسخت جراء تناسخ كاشط، تعِر رهبتها لحلكة القاع إينما ولت، فُسرَ وهنها وضياع حيلتها ورُهِنَ لشحيح توالف هُيِّأَ في تآويل التنازيل التي باينت عجز في التفاكير والتدابير مفاده اليأس.

إلتقطتك منافي اللغة، وفيافي المجاز، وأنت تعوي في صحراء مجهولة، تئن فزعاً، مهشم الوجه، ومُهْتَصِرٌ الفؤاد، مشرئباً كهشيم بجسه أنحسار المسافة بينه وبين الآخر، تطلق لصليل السيوف وحشتك المجوفة وأناك المُنشقة، كحافر وأب، نديمك مقدارُ كأسٍ معتقة، ونظرة ثاقبة في ظنك اللامرئي، وعلقم الراهن.
كُبح إنشقاقك قديماً، فإنفلقت الآن كسهمٍ مجري، ثقبتَ سماء قوسك المُحدد، وأنطلقت مُدبراً للوصاية، لا تحدك تخوم مضللة ولا جيف الفة.

مُكر... مُكر
حق .. حق
حق مُكر... ومُكر حق.

آويتَ المقدس فيك، وملأت َ جوفك الظامئ، رأيتَ في الخَواء وجوهاً كسطح بحر مُبَحْزَج، تسمع تفتفق فقاعاتهم في القاع، في الحلكة، في الظلام المُهاب، فرست بناظريك، رآيت وجوهاً أُخر، آلفتها مع يقينك بخيالاتها، زهوت متبخبتراً، برفقة مآلات الخصوبة فيها... فيك، خلقتَ الشعوب والسحنات والقبائل، فأنشقوا لرفقتك، ماحوجتك الآن لهم، وماحُجتك للمُرافاة بعد هذا الوقت؟
عهدتُكَ دوماً مناجياَ، جاسدُ الزند أم ساجد الوجه، متهدج النظرات أم ثاقب للصمت:

فديتُك ربي إينما كُنت، وكيفما شئت
ويكفيني بصيصُ نوركَ فيني.

أيها المُنشق، اللالذي منثور فيك، كما اللاإنتماء واللاوطن، إيها الكوني المجري، عهدتُ لك مآلاتي، وقلقي، وتناقضي المرهون بقشور كُدست في راحة فكري، وقتئذٍ وتدتُ جَزعِي لباطن الأشياء وخففت وعورة مسلك دربه عليَّ.

ثم رأيتك شريداً كالظل، تمر بالبوادي، البلالِيق الموامي والمفازات، تزعق هلعاً. حسبتها سروراً، فخابك الفجور، سكنتها السلوى، فأنتهيت لهلاك اليقين، فجوراً حسبته سروراً، أي وطئة آلت اليها قدماك.
ثم سمعتك تنشد للمقدس لديك، مشرئب الوصال، خائرٌ، ذبيح، كالح النظر، كادح الجهد، متفصد العرق، وناصل للأربع:

أهااااااا هااااا ربي، يااااااا ربي هااااا ربــــــــــــــــــّي
آلفت قبس نورك، وملكتُ الأسرار كلها
أهاااااا ربي، يااااااا ربــــــــــــــــــّي
حتى خالت نفسي انها ملكت سرك العظيم
سعيتُ للفلاح، وتيقنت بؤرة الضوء فغُشيت عيناي، وضللت نفسي.
أهاااااا ربي، يااااااا ربــــــــــــــــــّي
حيٌ حي، حيٌ حي، وما في جُبتي إلا أنت، حقٌ حق، مكرٌ مكر.
حيٌ حي، ويااااا وحي .

فإنشق صدرك حينها، وصعقتُ حين مهجتٌ هيئتك تتخذُ شكلاً لهلال وأنجم، و بدماءك المتفجرة ترسم صوت لإجراس دٌقت في حواف صليب علقتَ عليه خشيتك المنفلقة، مُنضَمُّ السَّنابك وحشاك الضامر. ثم صِحت من جديد، متهدج الوصال:
حق... حق..
مُكر...مكر..
حق .مُكر،، ومُكر...حق
وشرعتَ تعوي، فزعَقتٌ كطير مشبوك في حدقات القنص، ومآرب الهلاك، وأفلتُ يقيني بناظريّ، ملأ الحالك دمي، وجهشتُ بالجفاء، سألتني ما مفادي، واجبتك: ذللت نفسي في عهدة المواثيق ومراسم لا طائل جدوى أو نفعٌ لها، سألتني الإفصاح، وأجبتك بأن الخشوع مقامي، والرأفة مقامك، والسرد يفسد الخشوع ، سألتني المآل، وأجبتُكَ: ثوب بينه وبين جسدي متسعٌ لريحٌ نَؤُوجٌ لايستر عورتي، ولا يدثر خشيتي.

سألتني عن مآل المآل، أجبتك: محتوم الأرقِ، لا يحفه مدرك، ولا يقصيه مهلك، حسبها سروراً، فأنبعثت فيه كالمعصية، وحسَبتْهُ نقيضاً للظلم، فألِفتهٌ نكوص المعاني وفناء المفاهيم. وكل فرد له من إسمه نقيض. فإتسعت العبارة لديك.
سَمعتُ الرمل تحتك ينحسر في فجوات الأرض والجسد، يفصح عن مايدور بخلدك: هواجس وعالم كالح، ام جنون مجبول على مضمار تعقل يابس.

ثم سمعتُ الرمل يفصح عن مايدور بخلده: يا أيها الذئب المتعفن في نكران العجز ودحضه، ايها الدغل الممتلئ، يسودك التشظي، وآخريات تفرد الحوجة فروجهن الملتحمة.
حقاً للخيال صوتٌ آخر، بغيض تصطك له النواجز.

ثم سمعت الرمل يفصح عن مايدور بخلدي، ومن خالدني لسواه؟؟ :
حق حق،
ومُكر مُكر.

فأنشدت ثملى، مبتهلة الكدر، ومكدرة اليأس، وناجيت المقدس:
بُعيد الضيمِ تنفلق النفوس
وتغدو الذكرى تصويب الخطى
ياربي اتيِتُك بالظنون
وعُدتُ يملأني اليقين، فآواني الرضى
حيُ حي، وما في جُبتي إلا أنت.

ثمَ



(ولا حجر على البشرية وعلى مفكريها وقادتها، أن تفكر في صيغ وأساليب أخرى، لعلها تهتدي الى ما هو اوفى وأمثل، ولكن إلى أن يتيسر ذلك ويتحقق في واقع الناس، نرى لزاماُ علينا، أن نقتبس من أساليب الديموقراطية، ما لابد منه لتحقق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان).

يوسف القرضاوي
***