ضلال النفس في عهدة المواثيق
"ولا حجر على البشرية وعلى مفكريها وقادتها، أن تفكر في صيغ وأساليب أخرى، لعلها تهتدي الى ما هو اوفى وأمثل، ولكن إلى أن يتيسر ذلك ويتحقق في واقع الناس، نرى لزاماُ علينا، أن نقتبس من أساليب الديموقراطية، ما لابد منه لتحقق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان، والوقوف في وجه طغيان السلاطين العاليين في الأرض"
يوسف القرضاوي
***
والحق يقال، لم نكن غير تراكمات تفسخت جراء تناسخ كاشط، تعِر رهبتها لحلكة القاع إينما ولت، فُسرَ وهنها وضياع حيلتها ورُهِنَ لشحيح توالف هُيِّأَ في تآويل التنازيل التي باينت عجز في التفاكير والتدابير مفاده اليأس.
إلتقطتك منافي اللغة، وفيافي المجاز، وأنت تعوي في صحراء مجهولة، تئن فزعاً، مهشم الوجه، ومُهْتَصِرٌ الفؤاد، مشرئباً كهشيم بجسه أنحسار المسافة بينه وبين الآخر، تطلق لصليل السيوف وحشتك المجوفة وأناك المُنشقة، كحافر وأب، نديمك مقدارُ كأسٍ معتقة، ونظرة ثاقبة في ظنك اللامرئي، وعلقم الراهن.
كُبح إنشقاقك قديماً، فإنفلقت الآن كسهمٍ مجري، ثقبتَ سماء قوسك المُحدد، وأنطلقت مُدبراً للوصاية، لا تحدك تخوم مضللة ولا جيف الفة.
مُكر... مُكر
حق .. حق
حق مُكر... ومُكر حق.
آويتَ المقدس فيك، وملأت َ جوفك الظامئ، رأيتَ في الخَواء وجوهاً كسطح بحر مُبَحْزَج، تسمع تفتفق فقاعاتهم في القاع، في الحلكة، في الظلام المُهاب، فرست بناظريك، رآيت وجوهاً أُخر، آلفتها مع يقينك بخيالاتها، زهوت متبخبتراً، برفقة مآلات الخصوبة فيها... فيك، خلقتَ الشعوب والسحنات والقبائل، فأنشقوا لرفقتك، ماحوجتك الآن لهم، وماحُجتك للمُرافاة بعد هذا الوقت؟
عهدتُكَ دوماً مناجياَ، جاسدُ الزند أم ساجد الوجه، متهدج النظرات أم ثاقب للصمت:
فديتُك ربي إينما كُنت، وكيفما شئت
ويكفيني بصيصُ نوركَ فيني.
أيها المُنشق، اللالذي منثور فيك، كما اللاإنتماء واللاوطن، إيها الكوني المجري، عهدتُ لك مآلاتي، وقلقي، وتناقضي المرهون بقشور كُدست في راحة فكري، وقتئذٍ وتدتُ جَزعِي لباطن الأشياء وخففت وعورة مسلك دربه عليَّ.
ثم رأيتك شريداً كالظل، تمر بالبوادي، البلالِيق الموامي والمفازات، تزعق هلعاً. حسبتها سروراً، فخابك الفجور، سكنتها السلوى، فأنتهيت لهلاك اليقين، فجوراً حسبته سروراً، أي وطئة آلت اليها قدماك.
ثم سمعتك تنشد للمقدس لديك، مشرئب الوصال، خائرٌ، ذبيح، كالح النظر، كادح الجهد، متفصد العرق، وناصل للأربع:
أهااااااا هااااا ربي، يااااااا ربي هااااا ربــــــــــــــــــّي
آلفت قبس نورك، وملكتُ الأسرار كلها
أهاااااا ربي، يااااااا ربــــــــــــــــــّي
حتى خالت نفسي انها ملكت سرك العظيم
سعيتُ للفلاح، وتيقنت بؤرة الضوء فغُشيت عيناي، وضللت نفسي.
أهاااااا ربي، يااااااا ربــــــــــــــــــّي
حيٌ حي، حيٌ حي، وما في جُبتي إلا أنت، حقٌ حق، مكرٌ مكر.
حيٌ حي، ويااااا وحي .
فإنشق صدرك حينها، وصعقتُ حين مهجتٌ هيئتك تتخذُ شكلاً لهلال وأنجم، و بدماءك المتفجرة ترسم صوت لإجراس دٌقت في حواف صليب علقتَ عليه خشيتك المنفلقة، مُنضَمُّ السَّنابك وحشاك الضامر. ثم صِحت من جديد، متهدج الوصال:
حق... حق..
مُكر...مكر..
حق .مُكر،، ومُكر...حق
وشرعتَ تعوي، فزعَقتٌ كطير مشبوك في حدقات القنص، ومآرب الهلاك، وأفلتُ يقيني بناظريّ، ملأ الحالك دمي، وجهشتُ بالجفاء، سألتني ما مفادي، واجبتك: ذللت نفسي في عهدة المواثيق ومراسم لا طائل جدوى أو نفعٌ لها، سألتني الإفصاح، وأجبتك بأن الخشوع مقامي، والرأفة مقامك، والسرد يفسد الخشوع ، سألتني المآل، وأجبتُكَ: ثوب بينه وبين جسدي متسعٌ لريحٌ نَؤُوجٌ لايستر عورتي، ولا يدثر خشيتي.
سألتني عن مآل المآل، أجبتك: محتوم الأرقِ، لا يحفه مدرك، ولا يقصيه مهلك، حسبها سروراً، فأنبعثت فيه كالمعصية، وحسَبتْهُ نقيضاً للظلم، فألِفتهٌ نكوص المعاني وفناء المفاهيم. وكل فرد له من إسمه نقيض. فإتسعت العبارة لديك.
سَمعتُ الرمل تحتك ينحسر في فجوات الأرض والجسد، يفصح عن مايدور بخلدك: هواجس وعالم كالح، ام جنون مجبول على مضمار تعقل يابس.
ثم سمعتُ الرمل يفصح عن مايدور بخلده: يا أيها الذئب المتعفن في نكران العجز ودحضه، ايها الدغل الممتلئ، يسودك التشظي، وآخريات تفرد الحوجة فروجهن الملتحمة.
حقاً للخيال صوتٌ آخر، بغيض تصطك له النواجز.
ثم سمعت الرمل يفصح عن مايدور بخلدي، ومن خالدني لسواه؟؟ :
حق حق،
ومُكر مُكر.
فأنشدت ثملى، مبتهلة الكدر، ومكدرة اليأس، وناجيت المقدس:
بُعيد الضيمِ تنفلق النفوس
وتغدو الذكرى تصويب الخطى
ياربي اتيِتُك بالظنون
وعُدتُ يملأني اليقين، فآواني الرضى
حيُ حي، وما في جُبتي إلا أنت.
ثمَ
(ولا حجر على البشرية وعلى مفكريها وقادتها، أن تفكر في صيغ وأساليب أخرى، لعلها تهتدي الى ما هو اوفى وأمثل، ولكن إلى أن يتيسر ذلك ويتحقق في واقع الناس، نرى لزاماُ علينا، أن نقتبس من أساليب الديموقراطية، ما لابد منه لتحقق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان).
يوسف القرضاوي
***
....
أجلسُ في نُقطَةٍ هي العدمُ، لا حافرَ يَدُكُّ المُطلقَ لنبشِ مَعِدتِه السحيقة، ولا روحَ تُحلق لتصل السماء، متى تركض اللغة وتقبلُ ظليَّ، فأوتد جِذرِي في الأرض القاحلة، ويداعب ضجري لوح السماء الجريح، ليكُفَ هذا الغروبُ عن غوايتي، وفتح التآويل للَِذَّةِ المُبَاغِتِ.
الأحد، 1 مايو، 2011
الاثنين، 17 مايو، 2010
حرب النحور

أولاد الأفاعي، فحيح الكلام أم فحواه، نعيق طائر ساخر من ظلك في السماء، وأنتَ موصوم بدماء الشهوة في الأرض، عرقٌ كالنصل ينصب تجاه هاوية، يتفرس الظلام جسدك الهلع؛ الكل مسرع، الكل منحاز، الكل يسعى صوب الغواية، والسماء تمور؛ وأنت في غيهب اللذة لم تنوء عن جسدٍ يتربص الفراغ به، الأبواب تزجر الريح بعيداً، ثم تلوح للمجهول بالقبعة، فلتستفرد بهذا الدوار إذاً.تسمع تفتق الذاكرة وهي تمحو وجودك الصدئ بالنحيب المترصد والجوف السائل، والسماء تمور، تسمع صوت ينذر بخيانة وجودك بينهم، تتوخي الحذر، تركل الإشارات، والموت منحاز لبلاهة التعبير.
دفعتك المسميات لارتكاب الحماقات، استجاب جسدك الطاعن في الظل للفخ الذي نُصب باسم الطبيعة والتكور المهين في ذاك الرحم العقيم، رصدت أحاجيهم المتندرة ظنك بهم، هذا الدوار السلس يعتصر أحشائك، الشفاه تلوثت بغثيان الذاكرة المتقرحة، خيط من الخبث الدنيء يشق دُبر العناكب، تعددت فجوات الخطيئة، لم تعد كافية لاحتضان الأرض بالتستر.
هل قسوت عليك؟ لا عليك فأنت آخر كلب افرغ لهثه تحت هذا الجزع، أنتَ آخر ارضٍ مثقوبة تتلقف أحشاءهم وهي تتهاوي ضجرة من ذاك الثقب.ماذا يوجد في علياءِك؟ إبهامُ كفٍ ضجر؟ هياكل لأفكار يابسة؟ صلصال يكفي لعقاب آخر؟ يدعونك لحرب النحور، خنجرك مفتون باضطراب النهود الراقصة في متاهات المذاق، أفخاذ أشعلها الاحتكاك، جسد احترق بالشهوة، النتوءات التي غزت بشرتك كجنودهم السرية تحتفي اليوم بالنصر، وأنت ملاحقٌ بالهزيمة. كفراً، كفرا، التصق المجاز باللغة، ضاقت المعاني وتهشم سرد الحديث، مهلاً توقف؛ تحجرت الأثداء؟ ما عاد ضخ المتعة يشق المسام؟ وهم يتجاذبون أطراف الموت كالفكاهة. مهلاً مهلا؛ لما تنشب أنيابك في الحياة؟ فهي هنا مثل ذاك النهر الراكد، تعبق بالعطن واسماك تتحسس نتانتها في فمك بعد ابتلاعها، ترثى لحالك؟ نهر لم يوطنه مجرى؟ لا عليك فمثلك لا تخدعه تلاوين الحرباء اللعينة، وأنتَ تسرج قصد المعنى الطاعن في ركب التعبير، لا تفي لنافخ المسك بقيلولة، هل هي الوعود الوعرة؟ لا لم تحرث العمر ليلاً لتبجله في الظهيرة، ففي ترانيم الكؤوس متعة المتصوف، في تلاحق صداها جسد لم يدنسه العمر، كفَ عن هذا التلظي، فالليل بارقة الله، والنَّخاس بارقة الغي.
للروح درك أيتها الشهوة، وللظهر انحناءة قوس أدمى نثيلتي الرطبة.
الثلاثاء، 4 مايو، 2010
مدائح التمساح- خرائط البيادقة

مدائح التمساح، خرائط البيادقة
كما قصة العفريت وإبنة الخياط .
مازن مصطفى
لست التمساح الوحيد الذي يقطن أمعاء كائن بشري، ألا تجد في هذا عزاء أو تفسير؟ بل لا تجده مقبولاً؟ لست التمساح الوحيد الذي لايدري بأنه يقطن أمعاءً؛ أيضاً، لست التمساح الوحيد الذي يجهل أنه تمساح. كل هذا تجهله، وتحسب أنك مثلنا. مثلنا؟ لا، فأنا مجرد راوي في آخر الأمر، وذاك ليس لحماً؛ إن الذي يوجعك حين أمرر عليه شفرة حادة ليس لحماً، بل مجرد كلمات، ولنبدأ من نقطة صادقة، هذه محض رواية.
يسرني جهلك، لا أحب الجهل الصاخب، بل ذاك الذي يترنح من ثقل ما يعرف، وهو واسم مثل وشم وصادم كصفعة في النوايا؛ وهو حكمة، لذا تجدني أستعيذ بك. خذ أوهامك وأتبعني، فلست سوى خلاصتك النقية، ولست سوى قائدي العابر من حيث تشتهي النوازع أوصافها الميتة، ومن حيث يكتسب الوشق إرادة الوشق فيه. دعني أسألك وأنت المباطن، أتعرف أين يدفن البشري ظله وجسده وروحه الفزِعة؟ في مكان الخلائط؟، حسناً، أنا الأن عابر نحوك بلا وجل ولا ريبة، إذ لأنك تقول بأن الأمر في كله دائرة ، سآتيك دون تنضيد بداية واهمة.
تأتيك رائحة نعيم من الداخل، كل تلك العصائر بطموح بلوغ كمالاتها حولك فأبتهج، وتذوق مرارات قلق القولون، وتشبع بحبال المصير الملتفة بذريعة توصيل النعمة من مدخلها الفموي إلى مخرجها الشرجي، وإنتفاخ الهواء الذي يخرج ويدخل كقضيب يماليء اللذة، كقضيب دون إمتلاء بصفته الطالبة اللهوفة؛ كإرتخاء لامبال تتحرك تلك الرئة، ويجب ألاتفترض في رتابتها الرتابة، فهي مفتاحك المجهول لهواءك المجهول، وهي عهدك الذي لا ينقض. كن وفياً لنهر الصيرورة، وسأكون وفياً لنعمائك في تبليغي جهالة وحكمة ما أستطعت. خذ حكمة الكبد التي تحفظ رائب كل شيء وبها المكنون، خذ العصب الحريف الممراح الثاقب الكليم المتكلم الرسول حصالة المعني، وخذ العضل البريء النقي مثل خلاء رحيب، وخذ المفصل المرونة، الصدر الآمن، الظهر الغافل، الرقبة التوجس، الأظافر الرِدة، الشعر طلاقة، الكِلية القدرة، البطن الهشاشة والقلب نار وكون والرأس يأتمر. خذ ما أنت فيه يا تمساحي، فإن تركت فيه شيء، مما تركته الجحافل دون حصاد، فأرفع للجحافل عواء من هدير الجحافل فيك. لاتترك فيك إلا الحرب، ولاتترك فيه إلا الحرب، ولاتدع خسارة إلا أحصيتها، فهي مجدك.
ذلك المكان من جسد نعيم نسميه بيدق، حيث يقيم التمساح، على ضفة وخضم نهر الصيرورة، في مكان التراوح بين الكفاية والكف، وحيث ينبئني ما أستطاع من الطلسم. بيدق تتكون من ثلاثة عوالم مألوفة، ومن سبعة متغيرة، ومن حشائش كثيفة وصخرة فجوات ونهرين، نهر الصيرورة ونهر العدم، وبها ثلاثة جبال تتبارى في وصل الأرض بأختها الأرض، جبل المرارة وجبل الحيرة وجبل القلق، حيث يحكى، كما يرد في الصحائف، ضمن قصة العفريت وإبنة الخياط، أن بينها سجن الحياكة الأشهر، حيث يواصل العفريت تعلم الحياكة من إبنة الخياط طيلة الدهر، آملاً في حياكة بيدق كلها بعضاً ببعض، في نسيج يرتكز على الجبال الثلاث شاملاً كل أفانين تلك العناصر المخيفة المتعددة، عناصر بيدق، عناصر الضجيج المحكم من ضربات نرد صفيحي عملاق على طبول الخلائط.
-"تلك حياكة لاتكون"
كذا قالت إبنة الخياط لخاطفها الطموح، الذي لم يكن ليعبأ، بنظرته الراغبه وجسده الجوع، بأي تبرير:
-" أمامنا اللانهاية نفسها لترويض اللانهاية، لنبدأ الآن"
توسلت بالطبع، بكت له كثيراً وجثت أمامه هلعة، لديها أصدقاء بررة، لديها أقارب ودعاء، لديها ما تغزله من قطن التفاهة للتسلية، وهي تقنع بذلك. لم يستجب العفريت المصمت إلا من فعل الجبال فيه؛ وخشية من جفلتها، بنى سجن الحياكة، بناه بلحم ملايين الإبر ببعضها، ملايين لانهائية يستل منها إبرة في كل درس، وأخبرها:
-" حين ينتهي زادنا من الإبر نتحرر، أنا وأنت، من ربقة سجني وننجو"
وتحكي الصحائف أن الإبر تتوالد خلسة في الظلام، مما يفزع الحائكة كل صباح، بل وأصبح مفزعاً للعفريت نفسه منذ ما يقارب خمسين قرناً، لم ينجح خلالها سوى في إنتماءه للعهد، عهد قِصاصِه من الإستعصاء. إلا أن تقارباً نشأ بينهما، خلال تلك الأعوام الطوال، بحيث صارت إنحناءات الإبرة في الحوك ترسم بينهما غزلان شاردة ونمور طليقة وأفراس تتغازل؛ ثم صارا لنسج أوضاع شبقة لأجساد تتلوى بقدر المرونة؛ إيماءات، ثم تعلما سوية كيف ينسج اللطف نفسه، فنسجاه طرائق وخرائط ووديان وأخاديد يصنع منها الهواء صفيره، نسجا طرائف اللطف حين يمرح، نسجا شهوة المرغوب للمرغوب، وأبلغا رسائل النسيج للنسيج، رسائل نسيجية خالصة كهجاء اليقين للرغبة، وتعلما كيف تقود المحبات، عصا الضرير، الإرادة من خيط لآخر: عرفا ما للجشع في نفس المحبة، ما للنحيب، ماللقسوة الخالصة وذراع الجوع. عرفا أن لن يشفيا فصار نسيجهما محض حجة، محض ذريعة للتسري ؛ ولم يعودا يبصران السجن، من الأبله حد يبصر سجناً خارجه؟
كانت إبنة الخياط تصحو كل يوم على أصوات النوايا حين تعلو ببيدق، تتمطى في فراشها، الفراش المدلل بحشية من الوبر، وتتعلق لهوفة ببقايا نوم تملصت من عينيها، وهلة ثم تصبح قانعة من النوم بهناءة التمدد دون حركة، تحاول ترتيب مايمكن من نواياها التي تختلط صباحاً بضجيج النوايا المحيطة؛ على العكس منا، لم تكن إبنة الخياط تصحو بذلك القنوط المرافق للصحو، وذلك الندم الذي يصيب المرء كأنما يلوم نفسه على خلق العالم. كانت إبنة الخياط تتمطى لترمي عن العضلات بقايا النعاس المهزوم، وحين تنهض، تمسد جناحيها بلطف وروية، تشرب من مياه نهر الصيرورة لكنها، بالطبع، لا تغتسل بها، لا أحد يغتسل من مياه نهر الصيرورة إلا المواليد والخطأ. تطير إبنة الخياط مثل الجميع لتملأ جرتها من السماء؛ حيث المياه قبل هبوطها للأرض، تلك التي لم تنتمي بعد لنهر معلوم، فلم تسمى لها خصيصة سوى التنظيف. كانت عقب إستحمامها كل صباح تغني أغنيات تبارك بها نفسها، دون كلمات، دون ألحان، محض مباركة بلا توسل لصوت؛ ثم تمسك بيدها الإبرة لتوصد أخطاء الحياكة بوجه المُحاك، تصنع جلابيب ملونة للأطفال، وصدريات من ناعم القطن بحجوم أثداء الصديقات، تصنع أوشحة عليها طرز تصور معارك الإلهين في علياءهما، أوشحة من تلك التي تعلق على الأجنحة، وحوامل كتانية رقيقة لإحتواء القضبان والخصى متذرعة في الحجوم بخبط المصادفات، وأخرى لحماية الركبة حين الهبوط عليها، وأخرى لربط الرأس تمييزاً حين الإثقال في الشرب. كانت تحوك مصائر البيادقة، لذا أعجبت عفريتنا التائه، وقرر، في صباحٍ مُرهق من ثقل الليل عليه، إختطافها. هكذا ظلت بيدق لا ترتدي جلابيب الأطفال والصدائر والأربطة؛ أصبحت بلا مصائر معروفة بحكم حياكتها. كانت إبنة الخياط طفلة ما تزال، لم تختبر مسافدة ولم يجفف ريقها حنين، حين أتخذت مرغمة من مابين الجبال مسكناً لها، تشتهي النهايةَ والكونُ أبدٌ يليه أبد.

الأربعاء، 7 أبريل، 2010
لا أترُكُ لشَهوةِ الصّدى منفذاً سِواي

**لا أترُكُ لشَهوةِ الصّدى منفذاً سِواي، أو تمرّغهُ في الفراغ.
- الفراغُ غوايةُ الفَزَع.
- الفراغُ الذي فجّر صوت الطبل، والعنزة التي رقصت مجبولة على ذكرى صِنوها.
-الليل، الليل هو أكثرنا حزناً، جفّ دمعهُ في بؤبؤ النجم.
-الخرير الذي وشى بالماء؟.
- والماء صوتُ العنزة.
- القوس الذي جُدل على نهديّ امرأة.
- طعم البارحة مازال عالقاً في فمي، شهداً كان أم علقماً لا يهم.
- بل الخيانة.
- نعم، وشى بها البطن المنتفخ.
- والصوت الواعظ لسعال اخترق الهاتف.
تك تك تك تك
- لا عليك، إنه ميقات الغد.
- الوقت يهوي قبل الجسد.
- نعم، تجذبه رائحة التراب، والعرق الحارق المنبعث من البكتريا وفضلات الروح.
- وأنت.
- أنا كنتُ ملاكاً، أغوتني الشياطين بالتمرد، فبُعثت روحي في هيئة كلب، وعشت حياة الكلاب بنور الملائكة، وبُعثت من جديد لهذه الحياة في هيئتي الحالية، قيل أنه ارتقاء ولكن من يعلم؟.
- أنا كنتُ لحناً صاخباً، يعرِّي الجسد لرغبات الروح، وعند محاكمتي قيل أني أدعو للفسق الماجن، فزُجّ بي إلى عالم الأنسنة.
- سحيقٌ هو العالم الحالي.
- نعم لكني خبأت ضوءاً موسيقياً منهم، كنتُ أمتطيه أحياناً فأنزلق لمخيلة باخ أو بيتهوفن لغرس مخلبي، هاهاها كان بيتهوفن يتململ كما المصاب بالارتكيريا، وهكذا كنت أتشكل من جديد.
-الموسيقى تُعرِقُ الروح، فيلتصق يقين الحواسِّ بها، والعالم خُلِقَ من زؤام الشك والخطيئة.
-الصرخة التي أعلنت الحياة، فَرَّخت للموت عشرين ابناً، و روحي ابنه العاق.
- لا عليك احجب هذا الضوء، وأسدل الشمس، ليمتطيك اللاوعي.
*Portrait: Salvador Dali
الأربعاء، 31 مارس، 2010
مسخ الطبيعة
العالق في الفضاء، حراً مستوحشاً، يهمس للدفء، واختراق الرئة، للاعتصار ومدُ الجسدٍ بحقولٍ ملغومةٍ، وأقدام متأرجحة، لوجه محترق، نافر العروق مختنق الحدود، حدود فرضها التاريخ وحبرها البشر.
الروح، فقاعات مطاطية، سنابل ملونة، تشق الكون، وتطرق الأرض، تتماهى في الآخر، أنت الآخر إذاً، فأكسر الدائرة، واصعد خشوع الحناجر للديانات، اقفز ملتهباً وقبل شفاه الأرض، أرشف براكينها وهي تموج وتتلوى كجسد لامسته الشهوة، وانفثه على وجهٍ لعالم مشوه، مبتور، ليعاود الالتحام، وتنصهر الحدود، حلقِ يا فقاعات، استنشقِ الوجود، اسحبِ العالم للرئة، ثم عاودي الهبوط كنغم موسيقي يتأرجح ثملاً للجسد.
الحالك في السواد، حَشرَجَ في الجوف سَحِيلاً مشرئب القهر، تسدل نجمة ظلها على كتفِ شاطئٍ إِصِمتَ شهد معني الجسارة، نبحت بوصلة باتجاه الجنوب، نهضت الكلاب بأصواتها تباعاً، دمُعت الاتجاهات بنواح النسوة وفاضت عن جغرافيا البرك، والبحيرات الملقحة، عن الشواطئ المظلمة، وصديدها المُصفر، إن كان لليل إكليل متجهم، فمِرآة تقيأت من قبح ناظرها، مرايا تصدعت من طنين السيوف وحراب جائعة لرائحة اللحم النيئ. الناظر لوجه في مرآة مهشمة، يدرك معني التشظي والانقسام.
العالق في الذاكرة، يتيم البيئة، مصلوب على وقتٍ يفضي إلى ميناء، يستدبر الوطن، ويشيح بوجهه عن الأسماء، يقتلع هيئته من بركة لدماء لزجة، سلبت ملامحه، وأفرغته موتاً إضافياَ لمجموعة وجوه تراكمت على سطح مياهٍ يابسة، أنبتت عظاماً وهياكل، خطى عليها حافي القدمين، تفسخت قدماه ودُميت، رشقت الشفاه بزرقة تنبأت عن صعود الروح، تنفضت الدماء من الجسد الشاحب، وعوت في أقاصي الروح اللامنتمية، انبجس الخوف من طفولة تقتات على نتوءات في هيكل البراءة، الخوف، الخوف ميقاتٌ لنحرِ الطبيعة، وقربانٌ قلقِ وإرتباك، يزأر شريان منتهك، يكشِرُ عن أنيابه، تقذف الرياح بسائلها المنوي خارج غلافٌ جويّ، تموء الأرض شبقاً، تلعق باطنها وتعري تربتها، تغني الروح الثائرة لحريتها، موتئذ يُهال تراب على طين تجرد، ليجف الجسد ببطء رخوٍ يشق طريقه للقاع.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)